التعليم والعمل لدى النساء في المجتمع الفلسطيني في البلاد

د. ماري توتري: باحثة ومحاضرة في جامعة حيفا

أحد المؤشرات الرئيسية لتطور مجتمع ما, هو نسبة المتعلمين وحملة الشهادات العليا فيه, وخصوصا نسبة المتعلمات وحملة الشهادات العليا من النساء. فالتعليم يعتبر رافعة للتغيير الاجتماعي للفرد والعائلة. فهو يفتح الفرص العديدة أمام المرأة للمشاركة في سوق العمل, وبالتالي يؤهلها أن تكون عضوا منتجا وفاعلا في المجتمع. التعليم يؤهل المرأة أيضا لكي تقوم بواجبها إلى جانب زوجها في تنشئة الجيل الجديد تنشئة سليمة, وهو أيضا أداة مهمة للتثقيف الذاتي. وعند تقييم وضع النساء الفلسطينيات في إسرائيل وإنجازاتهن, يجب الأخذ بعين الاعتبار خصوصية وضعهن والعقبات التي تمنعهن من التقدم بنفس الوتيرة التي يتقدم فيها الرجال. فالنساء والفتيات يعانين من ثلاثة أنواع تمييز ضدهن: كونهن جزءا من الأقلية الفلسطينية )في إسرائيل( التي تعاني من التمييز ضدها, كونهن نساء في المجتمع الإسرائيلي وكونهن نساء في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل الذي يمارس التمييز ضدهن.

أغلب الدراسات تشير إلى أن القفزة النوعية للأقلية الفلسطينية في إسرائيل, وتحديدا لدى النساء الفلسطينيات, كانت في مجال التعليم. فلقد طرأ تحسن ملحوظ منذ سنوات الخمسين حتى يومنا هذا, إثر سن وتطبيق قانون التعليم الإلزامي والمجاني, فتح المدارس في غالبية البلدات الفلسطينية, تطوير شبكة المواصلات, تحسن الوضع الاقتصادي للأقلية الفلسطينية وتغيير المفاهيم الثقافية لديها. ولكن بالرغم من التقدم الملحوظ, ما زالت الفوارق قائمة وصارخة بين اليهود والفلسطينيين بسبب التمييز ضد جهاز التعليم العربي.
فالمدارس العربية تحصل على موازانات أقل وخدمات فقيرة بالمقارنة مع المدارس اليهودية )هنالك 90 تخصصا في المدارس اليهودية مقارنة مع 19 تخصصا في المدارس العربية, %75 من المدارس اليهودية تتلقى إرشادا وتوجيها مهنيا  بالمقارنة مع 25 % من المدارس العربية(. وهذا ينعكس على نسبة الحاصلين على شهادة البجروت من المتقدمين لامتحانات البجروت بين المجموعتين. فنسبة الحاصلين على شهادة البجروت عند الطلاب العرب أقل من نسبة الحاصلين على شهادة البجروت عند الطلاب اليهود ) 57 % مقابل 75 %(. نسبة التسرب في المدارس العربية أعلى منه لدى المدارس اليهودية. نسبة التسرب لدى الفتيات أعلى من نسبة التسرب لدى الشباب خاصة في منطقة النقب )القرى غير المعترف بها(. نسبة الأمية لدى النساء العربيات في سن ما فوق 15 عاما أعلى من نسبة الأمية عند النساء اليهوديات ) 14 % مقابل 4%(. تشير المعطيات إلى أن 44 % من النساء العربيات أكملن دراستهن الابتدائية, وفقط 3.2 % من النساء العربيات أكملن دراستهن الجامعية بالمقارنة مع 13.6 % من اليهوديات.
إن عدد الأكاديميين الفلسطينيين في ازدياد كبير منذ سنوات الخمسين. فمثلا كان عدد الطلاب العرب في الجامعة العبرية في عام - 1956 46 طالبا وارتفع في عام 1960 إلى 350 طالبا )تمثيل النساء في تلك الفترة يكاد يكون معدوما(, بينما يصل عدد الأكاديميين العرب في إسرائيل اليوم إلى 50 ألف أكاديمي, تشكل النساء 40 % منهم. مع ذلك, فإن نسبة الطلاب الفلسطينيين من نسبة الطلاب في الجامعات الإسرائيلية ما زالت منخفضة نسبيا- 8.2 % من المجمل العام: 9% من بين الطلاب للقب الأول, 3.5 % للقب الثاني و 3.2 %- للقب الثالث.
ما زالت نسبة الطلاب الفلسطينيين ضئيلة بالمقارنة مع الطلاب اليهود ) 14 طالبا عربيا لكل ألف مقابل 42 طالبا يهوديا لكل ألف(. وتمثيلهم ليس متساويا في كل الفروع. فمثلا 12 % فقط من الطلاب الذين يتعلمون موضوع العلوم الاجتماعية هم من الطلاب العرب, و% 7.5 فقط من الطلاب الذين يتعلمون العلوم الدقيقة هم من الطالبات العربيات. 3.2 % فقط من الطالبات العربيات أكملن دراستهن الجامعية ) 2.9 % لقب أول بالمقارنة مع 9.3 % لدى اليهوديات, و 0.4 % لقب ثان وثالث بالمقارنة مع 6.3 % لدى اليهوديات(. وذلك لأسباب عديدة تشكل عائقا للاستمرار في تعليمهن الجامعي )البعد الجغرافي من مكان سكناهن, عدم إيجاد مكان إقامة قريب من الجامعات(. معظم الطالبات العربيات يتعلمن في مجال العلوم الإنسانية والدراسات الاجتماعية )علم اجتماع, علم نفس, التربية(. تمثيل الطالبات في الكليات لإعداد المعلمين يصل إلى % 95 . هنالك فوارق بين الطوائف الدينية, فمثلا في السنة الدراسية 2003 - 2002 , 90.6% من الحاصلين على اللقب الأول في الجامعات الإسرائيلية كانوا من الطلاب اليهود, 4.7% من الطلاب المسلمين, % 1.9 من الطلاب المسيحيين, % 0.9 من من الطلاب الدروز. وحسب الإحصائيات لعام 2003 وصلت نسبة النساء الفلسطينيات  المشاركات في سوق العمل إلى % 17.8 )جزء منهن يعملن بوظائف جزئية( مقارنة مع % 54 من النساء اليهوديات.
أي أن النساء يشكلن % 5.3 من مجمل النساء العاملات )نسبة النساء ارتفعت بنسبة % 40 في العقد الأخير(. هنالك تفاوت لدى الطوائف الدينية )% 14 من النساء المسلمات يشاركن في سوق العمل, % 20 من النساء الدرزيات و% 34 - من النساء المسيحيات(. نسبة اشتراك النساء في المدن الكبرى )وخصوصا في المدن المختلطة( هو % 50 مقارنة مع البلدات المتوسطة والصغيرة% 24 -. وذلك لأن أماكن ومجالات العمل في هذه البلدات محدودة, والمبنى الاقتصادي في غالبية البلدات العربية ضعيف جدا. التعليم هو أحد العوامل الأساسية الذي يتيح فرصا أوسع أمام النساء الفلسطينيات للانخراط في سوق العمل: % 9 من النساء لم يكملن دراستهن الثانوية )يعملن في الصناعة وخدمات التنظيف(, و% 25 من النساء حملة الشهادة الثانوية منخرطات في سوق العمل )بائعات في المحالّ التجارية(, بينما % 65 من النساء حملة شهادة جامعية )اللقب الأول( و% 71 - من النساء حملة الشهادات الجامعية العليا )اللقب الثاني والثالث( منخرطات في سوق العمل.
ما زال المجتمع الفلسطيني في إسرائيل مبنيا على الأدوار التقليدية التي تعتبر الرجل معيلا للعائلة وتعتبر المرأة زوجة وأم اًّ لأولادها. لذا فعندما تختار المرأة أن تعمل, فهي تختار مهنة سهلة نسبيا, في القطاع العام وقريبة من بيتها, تتناسب مع  وظائفها كزوجة وأم, مثل وظيفة الممرضة في عيادات صناديق المرضى ومعلمة وعاملة اجتماعية. تجدر الإشارة إلى أن هنالك عددا من النساء يعملن في الزراعة والتنظيف ولا يذكرن في الإحصائيات الرسمية. تمثيل النساء الفلسطينيات في جهاز التعليم العربي آخذ في الازدياد, ولكنه أقل من جهاز التعليم اليهودي. حيث تحولت مهنة التدريس في الوسط اليهودي إلى مهنة نسائية. مهنة التدريس في المدارس الابتدائية العربية أصبحت مقتصرة على النساء, حيث أن % 53 من المعلمات يعملن في المرحلة الابتدائية. وهذا يعني ساعات عمل أكثر وأجرا أقل, وبالتالي مكانة اجتماعية أدنى. % 26 من المعلمات العربيات يعملن في المرحلة الإعدادية و% 15 منهن يعملن في المدارس الثانوية )بأجر أعلى, ساعات أقل ومكانة أعلى(.في المدارس اليهودية % 88 من المعلمين في المرحلة الابتدائية هم نساء, و% 71 من المعلمين في المرحلة الإعدادية هم نساء, و% 62 من المعلمين في المدارس الثانوية هم نساء. هنالك 6 محاضرات فلسطينيات في الجامعات  الإسرائيلية وعدد من المحاضرات في المعاهد والكليات المتوسطة. التمثيل النسائي الفلسطيني في المناصب الإدارية ومراكز صنع القرار في جهاز التعليم الفلسطيني ضئيل جدا. فعدد النساء المديرات قليل جدا )غالبيتهن في المدارس الخاصة(. وعدد  المشرفات التربويات والمفتشات قليل جدا )غالبيتهن في مجال الطفولة المبكرة والتعليم الخاص واللغة الأنكليزية(. لا توجد نساء مديرات في دوائر التعليم التابعة للبلديات والمجالس العربية. هنالك حاجة ماسة لاختراق الفتيات والنساء مجالات التعليم والأعمال أخرى. لأن غالبية المجالات التي ذكرت وصلت إلى درجة الإشباع. ولكن هذا يتطلب تغييرا في المفاهيم التقليدية لأدوار المرأة والرجل في المجتمع وفي داخل العائلة.

Share this